|
المقدمــة :
أعـــزائنـــا
القـــرّاء
ينطلق هذا الكتاب في واحد من أهدافه
من فلسفة التدرّج، لأنَّ التدرّج في
عمق معانيه كلمةٌ تحمل سرَّّ وعمقَ
الحياة .. ونحن لو أمعنا النظر في
الكون في عمليّة تفكّر و وعي وتدبّر،
وكيف أتقنت عظمة الخالق صُنع هذا
الكون لوجدنا أنَّ التدرّج هو سمةٌ
أساسيّة في هذا الإبداع الإلهيّ
العظيم.
وما لا يغيب عن بالنا أن الله سبحانه
وتعالى الخالق المبدع قادر على أن
يخلق هذا الكون بكلمة منه: أن يقول
للشيء كن فيكون، ولكن مع عظيم قدرته
في ذلك اختار التدّرج في الخلق ليكون
لنا درساً ومنهاجاً في حياتنا .
وتبرز عظمة الإبداع الرّبانّي في
تدرّج نموّ الإنسان، فهو في خلقته
وبنيته الجسدّية وعقله يجعل له الله
في كلّ مرحلة من مراحل حياته قواعد
منظّمة تنظيماً دقيقاً تكون منطلقاً
لمراحل أخرى ضروريّة تأتي للقادم من
الزمن، ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى
مرحلة جديدة إلاَّ بعد أن تكتمل
مرحلةٌ قبلها ..
فوضع لنا التدرّج وجعله سبحانه سنّة
للحياة.
أعزاءنـا القـرّاء
كانت هذه البداية ضروريّة للكشف عن
هدف في الحياة يسعى إليه أغلب النّاس
إن لم نقل كلّهم، وهو الزواج الذي
وللأسف الشديد لم يستطع نظامه القائم
اليوم في عالمنا الشرقي أن يراعي أبسط
أسس التدرّج، فخالف سنّة الحياة، وحصد
بمخالفته هذه الكثير من المعاناة
والآثار السلبيّة.
إنَّ مجتمعاتنا الشرقيّة الآن تسودها
أعرافٌ وتقاليدُ راسخةٌ بقوة في
النفوس والعقول،وأنماط من الذهنيّة
والتفكير تخالف منطق العقل وتساهم
بقوّة في اهتزاز مؤسسة الزواج
التي ندخل إليها حالياً بحبٍّ من أول
نظرة، وهو في الحقيقة رغبةٌ قلقةٌ من
أوّل نظرة،
هي ليست حبًّا، فالحبُّ الحقيقي والذي
يحتاج إلى عمل وتخطيط، محكومٌ كما
الحياة بكل منظومتها لتدرّج عاطفيّ
للوصول إلى الحبِّ البنّاء، الحب الذي
يباركه الله عزّ وجلّ.
أعزاءنـا القـراء
هذا الكتاب ليس كأيِّ كتاب تقليديّ
قرأتموه من قبل فهو لم يعتمد في
أطروحته على أفكار مغلقة وجامدة، بل
على أفكار وجدت مكانها الفسيح في
الهواء الطلق والنظيف.
لذلك يأتي هذا الكتاب اليوم ليكشف
الستار عن نظام كان طيَّ النسيان،
ولكنّه كان محميًّاً بعين الله
لتكونوا أنتم الذين بأيديكم مفاتيح
الدخول إلى عالم هذا النظام، وسترون
أنَّه الثروة الفكريّة والاجتماعيّــة
والأخلاقيّة التي ستسدّد خطواتكم
وتصحّح مساركم في الطريق إلى اختيار
شريك الحياة ..
في هذا النظام ستجدون أنَّ العقل أقوى
من العاطفة، ويتدرّج إلى أن يتكامل
العقل مع العاطفة .. في البداية نحتاج
العقل لاختيار الشريك، وفي النهاية
نحتاج العاطفة لتكوين الأسرة.
فإنَّ هذا الكتاب الذي يشتمل على نظام
اجتماعيّ راعى الجوانب الإنسانيّة
والواقعيّة، يضع المسلمين في المكان
الصحيح عندما يتطلّعون إلى بناء أسرة
قويّة التماسك وثابتة الأركان، وهو
إن كان يطرح نفسه في هذا الوقت بالذات
فلأنَّ الفرصة حانت لأن نكون في
المقدّمة
لا أن نسير وراء الآخرين، فقد كفانا
استغراقاً في مبادئ الغرب وأنظمته،
وانسحاقاً أمام من يطرحه من مفاهيم
وقوانين.
فالكتاب قفزةٌ، يتحلّى بالجرأة
والشجاعة والخروج من ضيق التقاليد
المستحكمة في مجتمعنا إلى رحابة
الإسلام في سماحته ورحمته وتوهّج
أنواره وامتداد آفاقه، هو
للجميع،للناس كلِّهم على اختلاف
مذاهبهم ومللهم، لكلِّ إنسان يختزن في
إنسانيّته معنى الوفاء والعدل وحب
الاستقرار، ومعنى أن يعيش في أسرته
بعيداً عن الانكسار والاكتئاب
والضياع.
هولأبنائنا نحن كلجنة تأليف، قبل أن
يكون لأولاد الآخرين الذين يطمحون
يوماً للإلتقاء بنصفهم الآخر، فيذهبون
إلى الزواج بعقليّة واعية وعاطفة
مهذبة تخضع لشروط العقل وتوجيهاته بدل
أن يكون الدخول إلى الزواج اقتحاماً
لمواقع مجهولة لا يعرفون ماذا ينتظرهم
في داخلها.
أعزاءنـا القـرّاء
إنَّنا نأمل أن يُقرأ الكتاب بروحيّة
الباحث عن الحقيقة، وبانطلاقة الإنسان
البعيد عن التعقيد في الذهنيّة،
وبانفتاح المسلم الذي أسقط التعصب من
منهجه في تكوين قناعاته والتزاماته
الفكريّة، لأنَّ التعصّب والجمود يصيب
اليوم مقتلاً في الأمة كلِّها، والتي
كفاها ما أصابها بسبب هذا التعصّب من
تفكّك ووهن وضعف، ونحن إن اجتهدنا أو
اختلفنا في شيء فليعذر بعضنا بعضاً
بروح الأخوّة والمحبّة، وهذا القرآن
ينادي فينا:﴿واعْتَصِمُوا
بِحَبْل اللهِ جَمِيعاً وَلا
تَفَرَّقُوا﴾.
واللـه
ولـيُّ التوفيـق
* * * * *
|